samedi 13 avril 2013

يوم بكت عزة الدمشقية سقوط بغداد





الساعة تقارب الرابعة بعد الزوال في هذا اليوم الموافق لـــ9 افريل 2003،  وتلفزات العالم قاطبة تنقل من ساحة الفردوس بالعاصمة العراقية صورا لن تنسى عن سقوط بغداد. هي لحظة الفصل، فصل التمثال عن قاعدته، ذاك التمثال الذي كان شامخا فيما مضى  يُنْحَرُ على الهواء والرأس يهوي.. يسقطه جند المارينز بعد أن حجبوه  لدقائق بعلم الولايات المتحدة..

 


 بعيدا عن بغداد وفي دمشق تحديدا أخت بغداد، وباستديوهات التلفزة السورية كانت عزة الشرع  تتأهب لبث نشرة الأخبار، وهي مشرقة كعادتها بابتسامتها التي تسحر الملايين.. 
بالعناوين بدأت، لكن النشرة ليست ما أعدته هي منذ حين، فثمة الجديد الوارد للتو من بغداد.. وباغتها كأشد ما يكون الخبر..
عزة ما كانت تعلم انها ستتلقى  جديدا بذلك الحجم وتلك الخطورة وهي على الهواء. وما
كانت لتصدق الصورة تنساب امام عينيها والتمثال يتهاوى على الشاشة، سيما وأنها منذ ساعة فقط كانت تذكر في النشرة السابقة بآخر تصريح لوزير الإعلام العراقي، والتصريح بتاريخ الأمس الموافق لــ 8 افريل 2003، تصريح يطمئن من خلاله الوزير، كعادته، الشعب في القطر والعرب.. وبالتهكم المعهود والذي ألفه بل وأحبه أنصار بغداد، إذ يقول:" لم يبق للعلوج غير تسليم أنفسهم أو الموت حرقا في دبابتهم".

قبيل حرب الأيام الستة،
منذ 36 سنة خلت، كان عبدالناصر يقول تقريبا نفس الكلام، على أمواج الراديوهات، حين يرفع سقف كل التوقعات، آمرا صهاينة اسرائيل بالرجوع من حيث أتوا وإلا فعاقبتهم الهلاك..رميا في البحر لأسماك القرش ..

والجماهير العربية التي كانت تتصور في 2003 أنها قد بدأت تنسى
أسماك القرش وكذب الوعود، لم تكن ترى حرجا أو بأسا في أن يدغدغ حسها محمد سعيد الصحاف. وعلى كل حال لا يمكن لوم هذه الجماهير على حسها الوطني، إن صحت تسمية ذلك التجاوب النغناطيسي مع الوعود، ولا الوزير العراقي على إفراطه في الدمغجة .. لأن حرب الإعلام لها أيضا حجتها، ولو أن "جمهور المؤمنين المخدوعين"، جمهور الشعب المسحوق، هو دوما من يدفع في النهاية ثمن الأكاذيب والصدمات..

في الدوحة عاصمة الجزيرة وباقاتها الإعلامية وفي الرياض عاصمة خادم الحرمين وفي الكويت االتي نحرت النوق احتفاء بسقوط "الطاغية حسين"، قيل أن التمثال الذي هوى هو عصر الأصنام الذي ولى وأدبر، عصر الكفر والجهلوت يليه نور، وقيل أن العراقيين سيتنفسون الصعداء، سيغنمون ذهبا، وقيل أيضا أن لفلسطين رب في السماء يحميها وفي الأرض ارباب من شيوخ الوهاب في الكويت وقطر والسعودية. قيل سيعوضون فلسطين ما كان يأتيها من صدام. بل سيطهرونها من اليهود كما طهرت مكة من الأصنام..

ك
ان هناك الكثير من العرب، خونة خالصين من أخمص القدمين حتى العقال، يهتفون
لأمريكا محررة الشعوب.. وفيهم من قبل الأرض تحت نعال الأمريكان في ذلك اليوم الأغر..

لكن للخونة مع التاريخ حساب.. ولعشاق بغداد لن ينسى الوفاء.. سيذكر أن ذاك اليوم لمن عشق بغداد كان أسود كاليوم الذي شهد هزيمة حزيران..

حين بدأت عزة تبث الخبرلم تقدر إلا على نطق حرفين أو ثلاثة وهي تقاوم تلعثمها..
غابت من وجهها تلك الإشراقة الملائكية ..انطفأت شمس الإبتسامة.. بحثت عن صوتها فلم تجده.. وجدت فقط لسانا في يبس الحجر.. حنجرة مغلقة تأبى ان تفتح للحروف مخارج.. كيف تخرج الحروف ومهد الحرف الأول في التاريخ قد سقط؟..
مدت يدها تبحث عن كأس ماء ثم سحبتها للتو بدون ماء..

بات جليا لكل من تسمرت عيناه بالتلفاز، في سوريا، تركيا، مقاهي تونس والجزائر وطنجة، ان عيني عزة اللتين كانتا تناشدان الكاميرا بقطع الصورة، قد اغرورقتا بالدموع..والأكيد أن ملايين المشاهدين احست شيئا يشبه حر الملح في مآقيها.. اتراها دموع المشاهد ام دموع الصحفية؟ دموع تتلألأ وتنذر بفيض الخاطر.. وهو ما حدث فعلا.. إذ في ذات الحين،  انفجرت عزة بالبكاء..

بكاءا ولا أمر منه ..على الهواء..وكأنها طفلة في ريعان العمر وربيع المشاعر، على مرأى من ملايين النظارة في سوريا وبقية البلاد العربية..عزة الشرع تنقل بطريقتها وتفاعل الصحفي الحي المسكون بهموم أمته  خبر سقوط بغداد.

رأيت في حياتي حالات عدة تذكرني بذاك الإنفجار. دموع جمال ريان أثناء حصار عرفات (لو صحت ذاكرتي)، يوم كان العرب  في قمة من قمم المهازل المعهودة ببيروت.. ولكنها لم تطف بغزارة البركان الذي خرج من صدر عزة الشرع..رأيت رئيس الحكوكة اللبناني وهو ينتحب مستغيثا بالعرب في آخر حرب لأسرائيل على لبنان.. ولكن نحيبه المستهجن لم يلق عندي غير الرغبة في الهروب لقناة أخرى.. سيما وان في نفس الوقت كان نصر الله وأبطال المقاومة يدفعون الصهاينة للنحيب.. يدكون مستعمراتهم بالصواريخ ويردون بأروع الملاحم على قنابل الجبن الإسرائيلي وفتاوى العار والعهر صادرة من الرياض، من ذيول الصهيونية نفسها التي باعت بغداد.. وستبيع لاحقا دمشق .. لكن هيهات .. رأيت بالأكيد دموعا أخرى ما عدت أذكرها..

ربما باستثناء صحفي فرنسي شاهدته في سبتمبر 1982 على TF1 ت.اف1 وهو ينقل من مخيمات صبرا وشاتيلا صور المذبحة التي ارتكبت في حق الفلسطنيين، وكان أيضا يبكي بمرارة على الهواء، لم أر قط دموعا تعبر عن صدق الصورة المرئية كتلك التي جادت بها عينا عزة الدمشقية ساعة سقوط بغداد..

وهو ما يفسر في اعتقادي بطء ردة الفعل، بالتلفزة السورية، لدى ملتقطي الصورة والمخرج على حد السواء،
إذ باغتتهم هم ايضا فضلا عن الخبر  دموع الصحفية  في تلك اللحظة من تاريخ بغداد..


ما الذي ابكى عزة الشرع وغسل بالدموع وجهها الساحر، في حين اعتادت الملايين من العرب حين تشاهد، وهي في قمة همومها، اشراقة ذاك الوجه الساحر، استرجاع البسمة فورا ونسيان الهموم؟


بغداد وريثة بابل، بلاد الألف ليلة وليلة، مهد الحضارة الذي يأوي أقدم النصوص المكتوبة، ملحمة جلجامش، وملحمة الخلق، نزول عشتار إلى العالم السفلي، بغداد التنوير السباق حين كانت في سبات العصور الوسطى تنام اروبا، بغداد التي اخترعت الساعة والنماذج الأولى لحاسوب العصر، بغداد التي اكتشفت السماء قبل مسبار الغرب ومراكبه الفضائية، بغداد التاريخ الذي يشع على العالم منذ أكثر من 3500 عام تسقط في هذا اليوم 9 افريل 2003 وفي حدود الرابعة بعد الزوال تسلم رأسها مقطوعا لغزاة لا يزيد تاريخهم على مائتي عام، غزاة لطالما قطع منهم الهنود الحمررؤوسا، يأتون اليوم ليدوسوا ارض بغداد وعلمها بالنعال ويحملون الرأس الرمز لبوش الأوباش.


ذاك ما أبكى عزة.. وقد بكت حينها لكل العرب الذين ابقوا على الوفاء.. بكت لنا جميعا من دمشق العروبة  وابكتنا.. وكلما تذكرنا بغداد إلا وخرج من دمشق في ذاكرة الأحرار وجه عزة ودموع النبل التي لا تنسى وان نسي الأموات..

على ذكر الأموات، فيهم من قطع في أيامنا هذه رأس ابي العلاء المعري، رأس تمثاله في مدينة أدلب السورية، فيما يسميه الأموات تحرير سوريا.. قطعوه لاعتقادهم أنه من أجداد الأسد. وهذا غير مستغرب لأن الأموات بلا عقول في مقابر الظلام..  قطعوه أسوة بالسلف الأمريكي الصالح وبرا بسالف الخيانات حتى تكون دمشق في مشروع سقوطهم اخت بغداد..

يوم سقوط بغداد،
شاهد الشاعر احمد عمرالبكر وهو يعيش أنذاك على الحدود العراقية السورية، في الأنبار، دموع عزة..وأخذ للتو قلما ليكتب لعزة قصيدة هي من روائع العصر، مطلعها:


ياعزة الشرع سيف الحق بتار .....فلتسلم الشام كي تبقى لنا الدار

جحافل الغزو قد جاءت مدججة..... درع , مشاة , صواريخ واقمار

لتطفيء البسمة الزهراء في شفة .....ولتسق الورد مما جاد اذار

ياعزة الشرع في عينيك اقلقني..... دمع حزين على الخدين مدرار

فلتطمئني , بل كوني على ثقة..... بأن ارواحنا للشام اسوار

ياعزة الشرع دير الزور معبرنا..... الى بلاد بها عزم واصرار

فهذه الارض بسم الله باقية..... والمردفون لنا في الحرب حضار

ياعزة الشرع قال الشرع من زمن..... سطو المسلح فيه الخزي والعار

لقد صبرنا وآذتنا جرائمهم .....ما ليس يصبره في الصبر عمار

هم اشعلونا بنار من قذائفهم..... كوني سلاما وبردا انت يا نار

بقية القصيد على هذا الرابط




احمد العامري
13 افريل 2013